ابراهيم بن عمر البقاعي

269

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

عَظِيماً * أي ضخما واسعا باقيا إلى أن تقوم الساعة فَمِنْهُمْ أي من آل إبراهيم مَنْ آمَنَ بِهِ وهم أغلب العرب وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ أي أعرض بنفسه ، وصد غيره كبني إسرائيل وبعض العرب . ولما كان قد علم من السياق أن الطاعن فيه ميت بحسده من غير أن يضره بأمر دنيوي ، وكان التقدير لبيان أمرهم في الآخرة : فحكمنا أن تسعر بهم النار بعد الذل في هذه الدار والهوان والصغار ، عطف عليه قوله : وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً * أي توقدا والتهابا في غاية الإحراق والعسر والإسراع إلى الأذى ، وفي آية الطاغوت أنهم سمحوا ببدل الدين - وهو لا أعز منه عند الإنسان - في شهادتهم للكفرة بالهداية ، وفي آية الملك الإيماء إلى أنهم في الحضيض من الشح بالخسيس الفاني ، وفي آية الحسد أنه لم يكفهم التوطن في حضيض الشح بما أوتوا مع الغنى حتى سفلوا عنه إلى أدنى من ذلك بالحسد لمن آتاه اللّه ما لا ينقصهم . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 56 إلى 59 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً ( 56 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( 58 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 59 ) ولما أثبت لمن صد عنه النار علله بقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا أي ستروا ما أظهرته عقولهم بسببها سَوْفَ نُصْلِيهِمْ أي بوعيد ثابت وإن طال معه الإمهال ناراً ولما كانت النار - على ما نعهده - مفنية ما حقة ، استأنف قوله ردا لذلك : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ أي صارت بحرّها إلى حالة اللحم النضيج الذي أدرك أن يؤكل ، فصارت كاللحم الميت الذي يكون في الجرح ، فلا يحس بالألم بَدَّلْناهُمْ أي جعلنا لهم جُلُوداً غَيْرَها أي غير النضيجة بدلا منها بأن أعدناها إلى ما كانت عليه قبل تسليط النار عليها ، كما إذا صغت من خاتم خاتما على غير هيئته ، فإنه هو الأول لأن الفضة واحدة ، وهو غيره لأن الهيئة متغايرة ، وهكذا الجلد الثاني مغاير للنضيج في الهيئة لِيَذُوقُوا أي أصحاب الجلود المقصودون بالعذاب الْعَذابَ أي ليدوم لهم تجدد ذوقه ، فتجدد لهم مشاهده الإعادة بعد البلى كل وقت ، كما كانوا يجددون التكذيب